ثمة نزوع لتدوير زوايا الرؤية، واستعادة أزمنة مضت في السجال الفلسطيني المحتدم، حول السيناريوهات الملائمة للخروج من الطريق المسدود، الذي انتهت إليه تحركات استئناف عملية سلام، قادرة على الاستمرار، وإفراز وقائع جديدة على الأرض.
ومثل هذه الظواهر لا تأتي من الفراغ، بقدر ما هي نتاج تفاعلات أزمات ذاتية وموضوعية، تفتقر للحلول. فالخيار الذي تم تبنيه منذ عقود، والمتمثل بقيام دولة فلسطينية، إلى جانب إسرائيل، بات كسيحا- مع التلكؤ الكوني، في الحد من الاندفاع الإسرائيلي المحموم، لوضع العصي في الدواليب، المتوقفة أصلا عن الدوران- ويحتاج انتشاله من كساحه إلى عمل غير عادي، لا تتوفر شروطه، على المدى المنظور.
وتنقسم الخيارات البديلة، التي يتم تداولها في العواصم المعنية- بشكل مباشر أو غير مباشر- بين خيار يحتاج تحقيقه إلى متغيرات عميقة وواسعة في بنى أطراف النزاع ودول الإقليم، وآخر يحمل في طياته احتمالات تصفية القضية الفلسطينية. كما يضفي غياب جدية المجتمع الدولي في إيجاد روافع جديدة للحل شيئا من العبثية على تداول السيناريوهات المثار حولها الجدل.
يقابل هذا الغياب، مراوغة حكومة اليمين الإسرائيلي، ومواصلتها لحركة الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتفكير فلسطيني بصوت مرتفع، في كيفية إدخال تغييرات على قواعد اللعبة. والصوت المرتفع ظاهرة صحية، ودليل حيوية، وحرص على المكاشفة، والشفافية، في الأحوال العادية. لكن دلالاته تختلف، لدى ارتباطه بتفاصيل الانقسام الفلسطيني، المفتوح على جميع الاحتمالات.
ومن بين ما يمليه الاختلاف عدم الاكتفاء بالإصغاء للصوت، والانتباه إلى ارتداداته على أصحابه، والتي غالبا ما تكون أكثر صخبا ودويا. ففي التفكير بصوت مرتفع فرصة الخصوم لالتقاط المآخذ، وتضخيمها، وتحويلها إلى أرضية للاتهامات، وربما مجال للتشفي. وقد تكون مناخات التصيد، التي أوجدتها حالة الانقسام، مناسبة للبحث عن أخطاء الخصوم، وتجييرها في الصراعات وتصفية الحسابات. إلا أن أجواء الاحتقان، تبقى عاجزة عن بلورة تصورات، للتعامل مع منعطفات حادة، كمنعطف سقوط خيار الدولتين، وتصليب المواقف إلى الحد الذي يتيح مراكمة إنجازات حقيقية، في صراع يبقى مرشحا للاستمرار، طالما بقيت حلوله بعيدة.
وصدام البدائل المتخيلة- بين الضفة الغربية وقطاع غزة- لحل الدولتين، والذي يعبر عن ذهنيتين، ورؤيتين مختلفتين مؤشر جديد على صعوبة توصل الفرقاء الفلسطينيين، إلى حل ينهي الانقسام. فقد كشفت قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال وثيقة التصورات التي وضعها صائب عريقات عن حنين لمشروع الدولة الديمقراطية الذي طرحته فتح مع نهايات العقد السادس من القرن الفائت، في الوقت الذي تميل حماس إلى استئناف مباحثات الدولة المؤقتة التي أجراها قياديها أحمد يوسف مع مسؤولين غربيين، وفضلت التكتم عليها رغم انكشافها.
وثنائيات الرؤية ظاهرة أصيلة في التاريخ الفلسطيني الحديث، فرضتها طبيعة المواجهة مع مشروع استيطاني فاقت تعقيداته الخيال السياسي، واستطاعت الحركة الوطنية الفلسطينية التعايش مع استمرارية مواجهته، رغم جميع التحولات الكونية والإقليمية والذاتية. فالخلاف بين وجهتي نظر التحرير الكامل والوصول إلى تسوية سياسية تنهي النزاع وتتيح التعايش السلمي يعود إلى ما قبل النكبة الفلسطينية التي أدخلت تغييرات في مجرى الصراع ولم تنهه.
تأثر الحاج أمين الحسيني بإفرازات التوازنات الدولية ذلك الحين، واستفاد منها بعض الشيء في تبرير منطقه الإقصائي الذي سقط سقوطا مدويا، بهزيمة ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل، لم يعجز أصحاب الرؤية العقلانية، ممثلين بعصبة التحرر الوطني، عن توفير رؤية وقراءة مختلفتين، عما قدمه الحاج أمين الحسيني الذي كان واجهة للقوى القومية والدينية. فقد وضع الماركسيون الفلسطينيون- مستفيدين من رؤية حداثية، للذات والعالم، لا تخلو من بعد حضاري- أساسا واقعيا للحل.
لكن خيار حل الدولة الديمقراطية التي تضم العرب واليهود، الذي طرحته العصبة لم يكن أوفر حظا من شعارات إلقاء اليهود في البحر، التي استهوت المفتي ووجدت شعبية واسعة في الشارع. فلم يترك قرار التقسيم، والأحداث التي تبعته- سقوط معظم الساحل الفلسطيني، وإعلان قيام دولة إسرائيل- فرصة لمواصلة الحديث عن الدولة الواحدة.
ومع وضع الأحداث المتلاحقة والسريعة حدا للاستمرار في هذا الطرح، لجأ أصحابه إلى حل أكثر واقعية في زمنه، تمثل بالسعي إلى بلورة فكرة قيام الدولتين. إلا أن طرح خيار الدولتين لم يحل دون العودة إلى خيار الدولة الواحدة والتراجع عنه مرة أخرى. ففي بداياتها لم تقف حركة فتح طويلا عند كيفية التعامل مع الوجود اليهودي على أراضي فلسطين التاريخية.
وكان تجاهلها لهذا الملف ناجما عن قناعة بأن العمليات الفدائية التي انطلقت في العام 1965 ستؤدي إلى عودة اليهود لبلدانهم الأصلية. لكن هزيمة الجيوش العربية عام 1967 فرضت على قيادة الحركة طريقة تفكير مختلفة أبرز مكوناتها غياب احتمالات نجاح تفكيك إسرائيل بالكفاح المسلح في ظل موازين القوى الجديدة، سواء بعمليات فدائية من الداخل أو من الخارج.
وبناء على المعطيات الجديدة، عادت الحركة الوطنية الفلسطينية، إلى تبني خيار الدولة الديمقراطية في العام 1968، بعد جدل واسع، غلبت عليه الصبغة الأيديولوجية.
المتغيرات التي انطوت عليها حرب أكتوبر عام 1973، وإفرازاتها التي لم يكن تجنب تأثيراتها ممكنا على صانع القرار الفلسطيني، فرضت تغييرا موازيا على رؤية القيادة الفلسطينية للحل، تمثل في خيار الدولة المستقلة، الذي تطور فيما بعد إلى خيار قيام الدولتين.
والخيارات التي تضمنتها ورقة عريقات- قبل استئناف مفاوضات الوقت الضائع، المفروضة على الجانب الفلسطيني الضعيف، بفعل التوازنات الدولية والإقليمية والانقسام الداخلي الذي يغذيه الموقف الحمساوي- أقرب ما تكون للعودة إلى الجذور، بعد تزايد صعوبات الوصول إلى خيار الدولتين، دون التخلي عن أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية.
فالدراسات الديموغرافية التي يتم الإعلان عنها بين الحين والآخر تؤكد أن لدى القيادة الفلسطينية ما تراهن عليه رغم اختلال التوازنات لصالح الجانب الإسرائيلي. واندفاعة السلطة الوطنية الفلسطينية نحو إقامة المرافق والمؤسسات التعليمية والصحية وتحسين البنية التحتية في الضفة الغربية لتثبيت المواطنين على أرضهم تعبر عن وعي بضرورة إيجاد أدوات مختلفة لمواجهة من نوع مختلف.
إلا أن قيادة حماس لم تعر اهتماما كبيرا للعلاقة بين تحولات الصراع، وما تمليه من ضرورات لإعادة النظر في المشاريع المطروحة، دون إغفال أهمية إيجاد الخطاب القادر على مخاطبة الرأي العام العالمي، وإبقاء القضية الوطنية في دائرة الضوء. فاقتصرت قراءتها لورقة رئيس دائرة المفاوضات على المأزق الذي يواجهه خيار السلام الفلسطيني.
ولا تخلو القراءة الحمساوية من محاولة ساذجة لتحقيق بعض المكاسب الآنية، تقوم على تهشيم خيارات السلطة الوطنية، واستثمار حطامها في الخلاف الداخلي، وتجاهل المنعطفات التاريخية التي مر بها العالم والمنطقة، وألقت بظلالها الثقيلة على القضية الفلسطينية، وأملت تحولات الخيارات.
فالاتجاه نحو خيار الدولة ثنائية القومية- الذي يرفضه الجانب الإسرائيلي بتشدد، لخطورته على مستقبل إسرائيل، التي يريدها حكامها اليمينيون دولة يهودية صرفة- يعني تصعيد المواجهة بوسائل أكثر حضارية، أثبتت جدواها في مناطق أخرى من العالم، ويمكن الاستفادة منها للالتفاف على اختلال موازين القوى بين إسرائيل والعرب، وعدم نضوج المجتمع الدولي لممارسة ضغوط جدية على الجانب الإسرائيلي.
وكان من الأجدى لقيادة حماس إعادة تقليب خيار الدولة المؤقتة، الذي تتعامل معه بتقية، واستندت إليه حواراتها مع أطراف غربية، وأخفقت في الدفاع عنه إثر انكشافه.
ففي مثل هذا الخيار، الجديد على الثقافة السياسية الفلسطينية- يميل إليه الغرب، للتحرر من التزاماته الأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، وتبرير تلكئه في ممارسة ضغوطات حقيقية على إسرائيل، وترفضه قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية- ما يتيح للجانب الإسرائيلي الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع، من خلال مواصلة عمليات مصادرة الأراضي، وبناء المستعمرات وتهويد المقدسات.
وفي التجربة السياسية الفلسطينية، ما يكفي من نماذج الارتهان الإقليمي، الذي يفرض اتخاذ المواقف المسبقة، وردات الفعل السريعة، دون تفكير في مضاعفاتها، والمغامرات غير محسوبة النتائج، والصيد في الماء العكر.