|
هنا فلسطين-
بقلم: ماجد كيالي
خطاب زوال إسرائيل هو خطاب رغبوي، أكثر منه خطابا واقعيا، وهو خطاب يعلي من شأن الإرادة على حساب موازين القوى، وهو أيضا خطاب إنكاري، ينكر الواقع، أو يحجبه حتى لا يراه، ولا يريه للآخرين.
طبيعي أن الدول والكيانات السياسية كلها إلى زوال، وهذا ينطبق على إسرائيل بداهة مثلما ينطبق على غيرها؛ وضمنها الكيانات العربية أيضا، فتلك هي سنن التاريخ، والتجربة البشرية.
وإذا لم يكن الأمر كذلك، فأين هي إذن الكيانات والإمبراطوريات، الآرامية والفينيقية والفرعونية والأشورية، وكذا اليونانية والفارسية والرومانية والإسلامية، والاسبانية والجرمانية والبريطانية، وغيرها وغيرها؟
لذلك فإذا صحّ هذا الأمر في امتحان التجربة التاريخية للبشرية، فإن هذا القول يصحّ على إسرائيل، أكثر من غيرها، لأسباب كثيرة، أهمها، أن هذا الكيان لم ينشأ نتيجة تطور طبيعي لمجموع اليهود القاطنين في فلسطين قبل العام (1948)، ولأنه نشأ على رغم أهل الأرض الأصليين من الفلسطينيين، وبدعم من قوى كبرى خارجية.
أيضا، فقد تأسس هذا الكيان على شكل "غيتو" في المنطقة، يرفض تطبيع أوضاعه مع محيطه، باعتباره لذاته دولة يهودية، تنتمي للغرب وليس للشرق الأوسط، بدليل أنها لم ترسّم بعد حدودها السياسية والجغرافية والبشرية.
وفوق كل ما تقدم فإن هذه الدولة، عدا عن معاندتها تاريخ المنطقة وجغرافيتها ومجتمعاتها، فهي أيضا تأسست على معاندة تاريخ البشرية، بإصرارها على كونها دولة يهودية/دينية/خرافية، ما يحيلها إلى دولة عنصرية، أيضا، في مرحلة يحث فيها العالم الخطى نحو العلمنة والحداثة والعولمة.
بهذه المعاني، ليس ثمة مشكلة مع الحديث عن زوال إسرائيل، آجلا أم عاجلا، سواء بفعل الحتميات التاريخية، أو بفعل التطورات والتفاعلات الطبيعية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في المنطقة العربية.
المشكلة هنا فقط تظهر في الخطابات التي تتحدث عن زوال إسرائيل، بناء على مجرد رغبات وأمنيات، ومن دون أية تبصّر بالمسارات والتفاعلات والحراكات (أيضا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية) التي يمكن أن تودي إلى هذه النتيجة.
الأنكى أن هذه الخطابات، التي راجت بقصد المبالغة بدور المقاومة، تحاول تصوير زوال إسرائيل على اعتباره قضية راهنة (!) من دون أية مقومات تؤسس عليها وجهة نظرها هذه، ماخلا الاتكاء على صد حزب الله للجيش الإسرائيلي إبان هجومه على لبنان (2006)، وتفويت استهدافات هذا الجيش لدى هجومه على قطاع غزة (في عملية الرصاص المصهور) قبل عام.
وعلى رغم أهمية هذين الحديثين، بالقياس لتجارب هزيمة عديد من الجيوش العربية النظامية أمام إسرائيل، فإنهما لا يرتقيا إلى مستوى الانتصار على إسرائيل، أو جعلها تقدم تنازلات سياسية. على العكس من ذلك فإن إسرائيل، التي أخفقت في هاتين الحربين، استطاعت من الناحية السياسية لجم المقاومة، في لبنان وقطاع غزة، بحيث باتت حدودها الشمالية والجنوبية تحظى بهدوء مقيم؛ إذا استثنينا المهرجانات التي تتحدث عن استمرار إرادة المقاومة والتمسك بخيار المقاومة.
هكذا، فإن خطاب زوال إسرائيل هو خطاب رغبوي، أكثر منه خطابا واقعيا، وهو خطاب يعلي من شأن الإرادة على حساب موازين القوى، وهو أيضا خطاب إنكاري، ينكر الواقع، أو يحجبه حتى لايراه، ولايريه للآخرين.
ومثلا، فكيف يمكن أن نتحدث عن زوال إسرائيل في وضع تبدو فيه هذه الدولة أكثر استقرارا من النواحي المجتمعية والسياسية والأمنية والاقتصادية أكثر من غيرها من الدول العربية.
وبالمقارنة مع أوضاعنا العربية، فهذه الدولة تبدو أكثر قدرة على التحكم بالتناقضات الداخلية فيها، بين العلمانيين والمتدينين، والشرقيين والغربيين، والمتطرفين والمعتدلين، واليسار واليمين، بفضل نظامها الديمقراطي، الذي يعتمد الديمقراطية النسبية، وحرية الرأي والاعتراف بالأخر وبالتنوع والتعددية، والمساءلة والمحاسبة، وتداول السلطة.
أما على صعيد التنمية ومستوى الدخل، فبرغم موازناتها العسكرية، وحملاتها الحربية، فقد بلغ دخل المواطن في إسرائيل، في العام الواحد، حوالي 25 ألف دولار، وبلغ ناتجها القومي السنوي حوالي 150 مليار دولار. إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل هذه تحتل موقعا متقدما في قطاع التكنولوجيا العالية، على مستوى العالم، وهي تخصص حوالي 5 بالمئة من ناتجها القومي السنوي للبحث العلمي، وهي تصدر سلع متنوعة ضمنها أسلحة والكترونيات ومواد مصنعة بحوالي 40 مليار من الدولارات، ولديها عشرات الجامعات ومراكز الأبحاث الإستراتيجية، التي تحتل مكانة مرموقة في سلم الجامعات ومراكز الأبحاث في العالم.
المعنى من ذلك أن هذه الدولة، وبرغم تناقضاتها الداخلية، والعداء لها من محيطيها، فإنها تبدو، في واقع الأمر، أكثر استقرارا ونموا وتطورا من غيرها. بالمقابل فإن الأوضاع العربية تتبيّن يوما بعد يوم عن مزيد من الاضطراب والتشوه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ونحو مزيد من النكوص نحو العصبيات المذهبية والطائفية والعشائرية والاثنية، في حين تبدو الدولة في غربة عن مجتمعاتها، بعد أن همشت السلطات هذه المجتمعات، واقعدتها في زاوية بدون حراك، وحراكات.
على ذلك لايمكن أن تزول إسرائيل لمجرد أمنيات وعقليات رغبوية، بل إن هكذا خطابات وتعميمات يمكن أن تؤدي إلى إنكار ضرورة معرفتنا بالعوامل التي تضفي على إسرائيل مزيد من القوة والاستقرار والتطور، وبالتالي إلى مزيد من الاستكانة إلى "انتصاراتنا" الخطابية وبلاغتنا الكلامية.
المفارقة أن هذه الخطابات، التي تتحدث عن زوال إسرائيل، بناء على شعارات ومبالغات، تنكر في مقابل ذلك الواقع البائس الذي تتخبط به دولنا، ومجتمعاتنا، وذواتنا كأفراد، من السودان إلى العراق واليمن وفلسطين ومصر والجزائر، وصولا إلى لبنان.
ماجد كيالي
|